علي بن عبد القادر الطبري

9

الأرج المسكي في التاريخ المكي وتراجم الملوك والخلفاء

بسم اللّه الرحمن الرحيم تقديم الحمد للّه رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه المكرمين . أما بعد : لمكة المشرفة مكانة عظيمة لدى قلوب المسلمين جميعا ، إذا هي قبلة الموحدين ، وحرم اللّه ، وموطن نبيه ، وسكنى الصحابة الأولين ، كما أن لمكة أهمية كبرى على خريطة الأحداث العربية ، قبل الإسلام وبعده ، ولا يخفى على الباحث أهمية دور مكة المشرفة في التاريخ السياسي للأمة العربية ، والتاريخ الثقافي للعالم الإسلامي من مبتداه إلى منتهاه . فإذا كانت « القاهرة » و « دمشق » وغيرها من البلاد تمثل دورا على مسرح الأحداث العربية بالغ الأهمية ، طوال فترة الخلافة الإسلامية وما بعدها ، بوصف هذاه البلدان من أهم العواصم الإسلامية التي طوت في أكنافها وبين جوانحها ذكريات الأمة العربية ، وتاريخها ، وتقلبات شعوبها ، وتطلعات ثقافتها ، فإن مكة كانت دائما ودوما القلب النابض بين البلدان ، والمعبر عن حاضرها التاريخي والثقافي ، فما من ملك أو سلطان إلا واهتم بها ، وما من عالم إلا وقد شغف بها ، وما من موحّد إلا واشتاق لمزارها أيا كان شأنه وموطنه . فلم تكن - فحسب - قلب العالم الإسلامي وقبلته الدينية ، بل كانت أيضا أهم العواصم الإسلامية التي حددت مسار الأحداث طوال فترة تاريخية - فترة الخلافة - في حاجة لمن يحسن قراءتها وتفسير ما ينم عنه واقعها التاريخي والاجتماعي . إذ كانت الوطن الأول الذي انطلقت منه الدعوة الإسلامية لتهيمن على الوقائع والأحداث ، وتصنع عالما كان له الأثر الكبير في تغيير مسار الحياة الإنسانية بشكل عام ، والحياة العربية بشكل خاص ، لا سيما أرض الجزيرة العربية وما حولها . هذا بالإضافة إلى ما تحتله مكة في قلوب المسلمين من إجلال وتعظيم . لهذا فقد شغف بها كثير من العلماء والأئمة ، وتاقوا لأن يطوفوا بجبالها